
ـ عارف… وعارف كمان إنك مستحقة اعتذار أكبر من أي كلام هقوله، لكن في حاجة لازم تعرفيها. التفتت إليه في صمت. ـ إنتِ عارفة أنا كنت بعيد الفترة اللي فاتت ليه؟ ضحكت بسخرية. ـ عشان الشغل… دي الإجابة اللي كنت بتقولها كل مرة. ـ لا… مش دي الحقيقة كلها. عقدت حاجبيها. ـ أمال إيه الحقيقة؟ ـ الحقيقة إني بعد ما طلبتي الانفصال، كنت عارف إن أي خطوة أقربها منك في الوقت ده، هتفتكري إنها بسبب استثمارات والدك، وهتفتكري إني بخاف يخدها مني، أو إني برجعلك عشان الفلوس.
نظرت إليه باهتمام لأول مرة. ـ وده مش حقيقي؟ أجابها بثبات: ـ لو كان حقيقي، كنت رجعت من أول يوم. ساد الصمت بينهما. فأكمل بهدوء: ـ أنا فضلت ساكت، واشتغلت أكتر من أي وقت فات، ورفضت أدخل والدك في أي قرار جديد، وكان كل همي أثبت لنفسي قبلك إن الشركة تقدر تكمل واقفة على رجليها من غير ما حد يقول إن مختار نجح بفلوس حماه. ظلَّت تنظر إليه دون تعليق.
ـ النهارده أقدر أبص في عينك وأقولك إن الشركة كبرت، وإن الأرباح اللي حققناها خلت استثمار والدك يضاعف قيمته أكتر من مرة، ولو قرر يسحب فلوسه النهارده، هيخرج بأرباح عمره ما كان هيحققها مع أي مستثمر تاني. قالت بهدوء ممزوج بالمرارة: ـ يعني جيت تقوللي إنك بقيت غني؟ ابتسم ابتسامة باهتة. ـ لا… جيت أقولك إن السبب اللي كنتِ فاكرة إني متمسك بيكي عشانه، مبقاش موجود. ـ ولو بابا كان سحب استثماراته من الأول؟ أجاب دون تردد:
ـ كنت هبدأ من الصفر. ـ ولو خسرت كل حاجة؟ ـ كنت هشتغل وأرجع أبنيها تاني. نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بصوت خافت: ـ لكنك مقدرتش تبني اللي بينا. خفض عينيه للحظة، ثم قال بصراحة: ـ عشان كنت فاكر إن الشركة لو وقعت أقدر أبنيها من جديد… لكن محبتك، للأسف، معرفتش قيمتها غير لما حسيت إنها بتضيع من إيدي. ـ عشان كده… أنا مش هطلقك. رفعت غزل رأسها نحوه فجأة، وكأنها لم تستوعب ما قاله.
ـ إيه ؟ ـ بقولك… أنا مش هطلقك. ابتسمت بسخرية، لكنها كانت تخفي ارتباكًا واضحًا. ـ هو إنت فاكر إن الموضوع قرار من طرف واحد؟ ـ لا، وعشان كده أنا بطلب منك تسمعيني للآخر. ـ سمعتك. ـ لا… لسه مسمعتيش أهم حاجة. عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت ببرود: ـ اتفضل. ـ أنا عارف إني ظلمتك، وعارف إنك استحملتي فوق طاقتك، وعارف إن أي كلمة اعتذار هتكون أقل بكتير من اللي تستحقيه، لكني مش مستعد أخسر جوازنا من غير ما أحارب عشانه، ولا مستعد أسيبك تمشي وأنا أول مرة أبقى متأكد إنك الست اللي عايز أكمل عمري معاها.
ظلت تنظر إليه دون أن تتكلم. ـ أنا مش بطلب منك تنسي، ومش بطلب منك تسامحي النهارده، ومش بطلب منك حتى ترجعي تثقي فيا من بكرة… أنا كل اللي بطلبه فرصة. ابتسمت ابتسامة باهتة. ـ فرصة؟ ـ أيوه… فرصة حقيقية، أول فرصة أكون فيها مختار اللي إنتِ كنتِ مستنياه، مش مختار اللي كان تايه بين شغله وبين ماضيه. هزت رأسها ببطء. اقترب منها خطوة، ثم توقف، تاركًا بينهما مسافة احترامًا لها. ـ يمكن ضيعتها فعلًا… لكن لو كنت استسلمت دلوقتي، أبقى بضيع آخر فرصة لينا إحنا الاتنين.
قالت بصوت هادئ، لكنه حاسم: ـ وإنت ليه مقتنع إن في “إحنا” أصلًا؟ أجابها دون تردد: ـ لأني بحبك. ارتجفت ملامحها للحظة، لكنها تماسكت سريعًا. ـ متقولهاش لو سمحت. ـ ليه؟ ـ لأن الكلمة دي كان نفسي أسمعها في الوقت اللي كنت محتاجاها فيه، مش بعد ما قررت أمشي. ـ حتى لو اتأخرت… فهي حقيقة. انا بحبك يا غزل صمتت غزل لثوانٍ، وعيناها تتعلقان بعينيه في ذهول حاولات إخفاءه خلف قناع الجمود، لكن دقات قلبها المتسارعة كانت تفضحها. الكلمة التي انتظرتها لسنوات، الكلمة التي تمنت أن يُحيي بها جفاف مشاعرها، قالها الآن… في أكثر اللحظات تعقيدًا.
انقبضت ملامح مختار وهو يرى التردد والصراع المشتعل في عينيها. لم ينتظر هذه المرة، ولم يترك مسافة الفراق التي اعتاد وضعها بينهما. خطى نحوها بخطوات بطيئة وحازمة، وشيئًا فشيئًا تقلصت الفجوة، حتى بات يقف أمامها مباشرة، يُغلفها بهيبته وأنفاسه المتسارعة. أرادت أن تتراجع خطوة للوراء، لكنه كان أسرع؛ رفع يده ببطء وحذر، وأحاط وجنتها بكفه الدافئة، متلمسًا بشرتها بنعومة وكأنه يلمس قطعة من الزجاج الخشيّ عليها من الكسر. تسمرت غزل مكانها، واختلجت أنفاسها وهي تشعر ببرودة أطرافها تحت دفء كفه. قالت بصوت خافت يُخالطه الارتجاف:
ـ مختار… ابعد. ـ مش هبعد يا غزل… قالها بصوت عميق ومبحوح، خالي من أي قسوة، يحمل رجاءً لم تعتد منه إظهاره لأحد. انحنى قليلاً ليصل لمستوى عينيها، وتابع ويده الأخرى تمتد لتمسك بكفها الباردة وتضغط عليها بحنان: ـ انا النهارده مش هبعد، حتى لو طردتيني، هفضل واقف في مكانك. نظرت إلى يده الممسكة بيدها، ثم إلى عينيه اللتين أظلمتا بالشوق والندم. كانت تقاوم هذا التأثير الذي يملكه عليها، تقاوم حقيقة أن قربه هذا يُربك كل حصونها التي بنتها لشهور.
اقترب أكثر، حتى لامست جبهته جبهتها ببطء شديد. أغمضت غزل عينيها رغماً عنها، وانسابت تنهيدة محبوسة من صدرها، بينما قال هو بصوت هامس كالهمس بين نبضين: ـ أنا اتعلمت أقود كل حاجة يا غزل… الشركات، الشغل، الفلوس… بس فشلت إني أقود قلبي لحد ما ضيعتك. الكلمة دي مش مبرر، ولا عشان أمنعك تمشي… الكلمة دي اعتراف إن الحياة من غيرك مالهاش أي طعم. ترددت يده الأخرى لتهبط إلى خصرها، يشدها إليه ببطء ودون إرغام، وكأنه يستأذنها في كل إنش يقتربه. وحين لم تبعده، ضمها إليه بحماية، واضعًا رأسه في تجويف عنقها، ليستنشق عبيرها بلهفة رجل كان يتضور جوعاً للأمان.
شعرت غزل بجميع دفاعاتها تنهار حجرًا تلو الآخر. حرارة جسده، ونبرته الصادقة، وضمة يديه التي تطوقها وكأنه يخشى أن تتلاشى من بين يديه، جعلتها تفقد قدرتها على العتاب. رفعت يدها ببطء شديد، وترددت لثوانٍ في الهواء، قبل أن تستقر على كتفه، تمسك بقميصه برفق. أحس مختار بحركتها، فرفع رأسه عن عنقها لينظر في عينيها عن قرب شديد. طالع شفتيها المرتجفتين، ثم نظر في عينيها المعروقتين بالدموع وقال بهمس آسر: ـ اديني فرصة واحدة بس… فرصة أخليكي تحبيني فيها من جديد، بس المرة دي وأنا ملكك إنتِ وبس… فرصة أعوضك عن كل ليلة نمتي فيها ودمعتك على خدك.
لم تنطق كلمة، لكن نظرة عينيها والتنهيدة الحارة التي خرجت من بين شفتيها كانت إجابة كافية. انحنى مختار أكثر، وطبع قبله دافئة ورقيقة على وجنتها، تنقلت ببطء بين عينيها وجبينها، لتغسل كل الآلام القديمة، قبل أن يهمس أمام شفتيها مباشرة: ـ بحبك يا غزل… ومافيش أي قوة في الدنيا هتخليني أسيبك تاني. ظلَّت غزل مُعلَّقة بين يديه، أنفاسها المتهدجة تتردد في مسافة القرب الضيقة بينهما، وقلبها يخوض معركة شرسة بين عقلها الذي يصرخ بالانسحاب، وحواسها التي استسلمت بالكامل لدفء ح.ضنه ولصدق كلماته التي لامست روحها لأول مرة.
حاولت أن تستجمع شتات نفسها، فرفعت كفيها ببطء واستقرا على صدره، تثبّت المسافة بينهما دون أن تدفعه بقسوة. نظرت في عينيه المليئتين بالترقب وشيء يشبه الرهبة، وقالت بصوت همسٍ أبحّ، يحمل كل ما في قلبها من حيرة وتعب: ـ مختار… اللي انكسر ، مش هيرممه اعتراف في لحظة، ولا ضمة دافية مهما كانت صادقة. توقف نبضه للحظة وهو يستمع إليها، فتابعت وهي تنظر إلى عمق عينيه: ـ أنا محتاجة وقت… محتاجة وقت أراجع فيه نفسي، أستوعب كل اللي قلته، وأشوف إذا كنت قادرة أفتح قلبي من جديد ولا لأ. تديني الفرصة دي؟ تديني المساحة دي من غير ضغط؟
ساد الصمت للظات، كانت عيناه خلالها تجوب ملامحها بشغف وحنان طافح. رفع كفه وأزاح خصلة شعر شاردة عن وجهها، يُمرر أطراف أطراف أصابعه على بشرتها بنعومة ساحرة، ثم ابتسم ابتسامة هادئة تُخالطها نبرة استسلام عاشق: ـ موافق يا غزل… خدى كل الوقت اللي محتاجاه، ولو عايزة العمر كله تأخذيه عشان تطمني، هفضل مستني. أنا مش هضغط عليكي في حاجة تاني، ولا هفرض نفسي عليكي. تنفست براحة خفيفة، وأرادت أن تخطو خطوة للخلف لتغادر الغرفة، لكنه لم يطلق سراح يدها تمامًا؛ بل أمسك بأطراف أصابعها برفق شديد، وكأنه يترجاها بأدب جم.
نظرت إليه بتساءل، فقال بصوت دافئ ومبتل بالرجاء وهو ينظر إلى الساعة، ثم يرجع عيونه إلى عينيها: ـ بس ليّا عندك طلب واحد… ليلة واحدة بس. تراجعت حاجباها بدهشة، فأكمل بهمسٍ آسر يذيب أي عناد: ـ الوقت تأخر جدًا، والطريق من هنا لعربيتك ولبيتك مش أمان دلوقتي… ابقي هنا الليلة. مش بطلب منك ترجعيلي، ولا بطلب منك أي حاجة غير إنك تنامي تحت سقف واحد معايا، تطمني وتستريحي… وبكره، أول ما الصبح يطلع، أوعدك هنسق كل حاجة، وإنتِ اللي هتحددي خطوتك الجاية بإرادتك الكاملة.
تلاقت أعينهما في حوار صامت طويل. كان بإمكانها أن تلمس في نظرته أنه لا يبحث عن انتصار، بل يبحث عن إبقائها في أمان دفئه ليلة واحدة أخيرة قبل أن ترحل بأفكارها. تنهدت بعمق، وانكسرت آخر موجة من مقاومتها أمام رقة نظرته. هزت رأسها ببطء شديد، وقالت بنبرة خافتة: ـ ماشي يا مختار… هفضل للصبح.
اتسعت ابتسامته ببطء، ابتسامة صادقة أضاءت ملامحه المجهدة، ولم يستطع منع نفسه من أن يدنو منها مجددًا، ليرفع يدها الصغيرة إلى شفتيه، ويطبع عليها قبلة طويلة ودافئة، أغلقت غزل عينيها على أثرها، وهي تشعر بأن هذه الليلة لن تكون مجرد ليلة عابرة، بل بداية لفصلٍ جديد كليًا بينهما. داخل فيلا فؤاد… كان فؤاد قد انتهى من تبديل ملابسه، وجلس في غرفة المعيشة يقلب في بعض الملفات، قبل أن يرفع رأسه على صوت نوال وهي تخرج من المطبخ، وتنظر خلفه باستغراب.
ـ هي غزل مجتش معاك؟ رفع فؤاد عينيه إليها ثم أغلق الملف بين يديه. ـ لا… غزل مع مختار. توقفت نوال في مكانها. ـ مع مختار؟ أومأ برأسه. ـ أيوه… بعتتلي رسالة وهي خارجة من الحفلة، قالتلي إنها معاه ومتقلقش، وهتتأخر شوية. تنهدت نوال وهي تجلس أمامه. ـ يعني الحمد لله… يمكن ربنا يهديهم لبعض. ابتسم فؤاد ابتسامة خفيفة. ـ واضح إنهم أخيرًا اتكلموا. هزت رأسها وهي تقول بأمل: ـ والله يا فؤاد، مهما حصل بينهم، أنا نفسي ترجعله… نفسي أشوفها في بيتها من تاني.
نظر إليها مبتسمًا. واكملت نوال ـ بعد كل اللي حصل تفتكر ممكن يرجعوا ؟ تنهد فؤاد. ـ لأني شوفت منه النهارده حاجات عمري ما شوفتها قبل كده. ـ زي إيه؟ ابتسمت وهو يستعيد ما رآه. ـ الراجل من أول ما دخل القاعة وعينه عليها، مكنش شايف حد غيرها، وكل ما حد يقرب منها كان يلاقي نفسه واقف جنبها من غير ما يحس، حتى وهو بيتكلم مع رجال الأعمال، عينه كانت عليها هي. ابتسم فؤاد في هدوء. وأنا أخدت بالي من ده.
ـ ولما كان بيتكلم عنها… كلامه مكنش مجاملة، كان فخر… لأول مرة أشوفه فخور بيها بالشكل ده. أطرق فؤاد برأسه لحظة ثم قال: ـ يمكن اتأخر… لكن شكله فوق. قالت نوال بسرعة: ـ المهم إنه فوق قبل ما يخسرها. تنهد فؤاد وهو يضع الملف جانبًا.

