
الدموع جفت في عيني، وحل مكانها نار بتحـ,ـرق كل ذرة ضعف جوايا. سحبت رجلي منه، وطلعت أجري بره المكتب، متجهة لأوضة عمي. فتحت الباب برجلي، عمي قام مفزوع من النوم. بصلي برعب لما شاف هدومي اللي متلطخة بنقط دم من جرح رجلي، وشاف زين داخل ورايا منهار. ”فين كليتي يا عمي؟!” صرخت فيها بكل قهر الدنيا. عمي وشه جاب ألوان، بص لزين بغضب وقال: “أنت قلتلها يا غبي؟” ضحكت بوجع وانهيار: “يعني معترف؟ للدرجة دي أنا رخيصة؟ بتاكلوا في لحمي وأنا حية؟”
عمي حاول يستجمع قواه وقال بقسوة: “أنا ربيتك! كبرتك وصرفت عليكي بعد مـ,ـوت أهلك، ده كان تمن تربيتي ليكي! ابني كان بيمـ,ـوت، كان لازم أتصرف، أنتي لحمنا وده أقل واجب تعمليه للي شالك من الشارع!” قبل ما أرد، كان زين انقض على أبوه، مسكه من هدومه وزعق بصوت زلزل البيت: “أنت كداب وحرامي! أنت ممولتش تربيتها من جيبك، أنت واكل ورثها من أبوها! البنت دي صاحبة نص أملاكك اللي أنت كبرتها بفلوسها! أنت مدفعتش تمن تربيتها، أنت سرـ,ـقت كليتها وسـ,ـرقت فلوسها وـ,ـسرقت طفولتها.. وأنا اللي هدفعك التمن غالي أوي!”
بصيت لزين بذهول. كان واقف زي الأسد اللي بيحمي شبل مجروح. في الليلة دي، أنا سيبت البيت. رفضت أبات فيه دقيقة واحدة. زين أخدني في عربيته لوداني شقة تمليك فخمة جداً في منطقة راقية، وقالي: “الشقة دي مكتوبة باسمك من شهرين، وده مفتاحها.. ارتاحي، والصبح كل حاجة هتتغير.” بعد مرور ٣ شهور.. قاعدة في البلكونة بتاعت شقتي بشرب قهوتي وببص للنيل. حياتي اتغيرت ١٨٠ درجة.
في خلال التلات شهور دول، زين قلب الدنيا. جاب محامين، وفتح دفاتر أبوه القديمة، وأجبره يتنازل عن نص ثروته بالكامل ليا، ده غير إنه رفع عليه قضية تزوير في أوراق رسمية (بتاعة العملية)، وعمي عشان خاف من الفضيحة والسجن، اتنازل عن كل حاجة وهاجر بره مصر. زين رجعلي حقي المادي، والأهم.. رجعلي كرامتي. طول التلات شهور مكنش بيزورني، كان بيبعتلي الورق مع المحامي، وبيطمن عليا من بعيد لبعيد. كنت متخيلة إني هكرهه، بس مع الوقت، ولما هديت، اكتشفت إن زين كان ضحية زيي بالظبط، بل أسوأ. هو عاش بعقدة ذنب ملهاش وصف، وضحى بسمعته، وبخطيبته، وبأبوه، عشان يجيبلي حقي ويحميني.
الباب خبط. قمت فتحت، ولقيته واقف قدامي. خس النص، وشه دبلان، وتحت عينيه سواد السنين، بس لسه في عينيه نفس اللمعة اللي كنت بشوفها وأنا طفلة. مد إيده بظرف كبير وقال بصوت هادي مكسور: “دي أوراق التنازل عن نصيبي أنا كمان في الشركة، حولته لاسمك. ودي تذاكر طيراني.. أنا مسافر لندن، هستقر هناك. مكنتش هقدر أمشي من غير ما أشوفك للمرة الأخيرة وأتأكد إنك كويسة.. أنا عارف إن وجودي بيفكرك بوجعك، بس يعلم ربنا إني…”
سكت ومقدرش يكمل، لف وشه عشان يمشي. مسكت دراعه بسرعة، ووقفته. قلبي كان بيدق زي الطبول. “يعلم ربنا إنك إيه يا زين؟” سألته وأنا باصة في عينيه. أخد نفس عميق، ودمعة يتيمة نزلت من عينه: “يعلم ربنا إني حبيتك. مش شفقة، ولا إحساس بالذنب.. أنا حبيتك من يوم ما كنتي طفلة بتضفر شعرها وتستناني على الباب. بس كنت دايماً شايف نفسي مش كفاية، ولما عرفت الكارثة اللي أبويا عملها، شفت إني نجس ومستاهلش حتى ألمس إيدك. اتجوزتك عشان أكون ضلك، مش عشان أفرض نفسي عليكي.”
ابتسمت، ودموعي نزلت، بس المرة دي دموع فرحة تغسل كل الوجع اللي فات. شديت الظرف من إيده، وقطعته نصين ورميته على الأرض. برّق عينيه بصدمة وقال: “بتعملي إيه؟ دي فلوسك!” قربت منه، وحطيت إيدي على صدره، مكان قلبه اللي كان بيدق بعنف، وقولتله بصوت مليان حنية: “الفلوس مبتبنيش بيوت يا زين، ولا بتعوض حضن. أنت ذنبك إيه في اللي حصل؟ أنت ضحية أب أناني، بس أنت راجل.. راجل أوي يا زين. وقفت قدام أبوك عشان حق واحدة يتيمة. وبعدين تعالى هنا.. أنت بتقول إن كليتي جواك؟”
هز رأسه بذهول وهو مش مصدق رد فعلي. ضحكت وسط دموعي وقولتله: “يعني حتة مني عايشة جواك، وحتة منك (قلبك) عايشة جوايا. إحنا الاتنين واحد يا ابن عمي. أنت مطردتش عريسي يوم الفاتحة عشان الذنب وبس، أنت طردته عشان أنت بتغير عليا وبتحبني، وأنا كمان عمري ما حبيت ولا هحب غيرك.” عينيه وسعت، وملامحه اللي كانت دبلانة نورت فجأة كأن الروح اتردتله. رفع إيده بتردد يمسح دموعي، ولما لقاني مغمضة عيني ومستسلمة للمسته، شدني لحضنه بكل قوته.
حضنته أوي، حضن غسلنا إحنا الاتنين من ذنوب مأقترفناهاش، ومن وجع سنين طويلة. في اللحظة دي، عرفت إن النهاية العادلة مش دايماً إننا ننتقم.. النهاية العادلة هي إن ربنا يعوضنا باللي يقدر قيمتنا، وزين كان هو العوض، السند، والحب اللي اتولد من رحم الوجع عشان يعيش للأبد. تمت لو عجبتك الروايه متنساش تعمل متابعه لصفحتي سهر الحكايات حتي يصلك كل جديد
