
لاحظت غزل ذلك، فابتسمت وهي تضع فنجانها فوق الطاولة. – قولي اللي في دماغك… شكلك هتنفجري. ضحكت شقيقتها بخفة. – باينة أوي؟ – جدًا. تنهدت، ثم اعتدلت في جلستها. – بصراحة… عايزة أتكلم عن مختار. رفعت غزل حاجبها، ثم قالت وهي تبتسم بمكر: – أهو بدأنا. – اسمعيني للآخر بس. – اتفضلي. تنهدت شقيقتها مرة أخرى، ثم قالت بهدوء: – أنا عارفة إنك اتوجعتي… وعارفة إن الطريقة اللي اتجوزكم بيها كانت غلط، ومش هبررها. أومأت غزل برأسها دون أن تتكلم.
– لكن برغم كل ده… مختار راجل يتعمله ألف حساب. ابتسمت غزل في هدوء. – كملي. – راجل ناجح… وطموح… وعارف هو عايز إيه. شوفتي بنفسك إزاي قدر يرجع شركته بعد الأزمة اللي كانت هتضيع كل تعبه؟ النهارده بقى من أكبر الأسماء في السوق، وكل المستثمرين بيتسابقوا يشتغلوا معاه. ظلت غزل تستمع إليها في صمت. فأكملت شقيقتها: – وبعيدًا عن شغله… هو محترم، وعمرنا ما سمعنا عنه حاجة وحشة، ولا شفناه بيجري ورا واحدة، ولا بيضيع وقته في لعب العيال.
ثم ابتسمت وهي تضيف بمزاح: – ده بصراحة أي بنت تتمناه كنت مستغربه ازاى بصلك ضحكت غزل، ثم هزت رأسها وهي تشير إليها بإصبعها. – بطلي الطوب اللي بترميه ده. انفجرت شقيقتها ضاحكة. – والله ما برمي طوب… أنا بقول الحقيقة. – حقيقة من وجهة نظرك. – ومن وجهة نظر ناس كتير. تنهدت غزل، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد. – يا نور … أنا عمري ما اعترضت على مختار كشخص. انعقد حاجبا شقيقتها. – أمال؟
– اعترضت على المكان اللي أنا كنت واقفة فيه في حياته.ساد الصمت للحظة. ثم قالت غزل بهدوء: – إنتِ شايفة راجل ناجح وطموح… وأنا كمان شايفة ده. – أهو. – لكن النجاح ده مش هو اللي بيخليني أكمل معاه. قالت شقيقتها سريعًا: – طب إيه اللي يخليكي؟ ابتسمت غزل ابتسامة خافتة. – إنه يكون اختارني من البداية. تنهدت ندى وقالت: – يا بنتي… الناس مشاعرها بتتغير. – عارفة. – ويمكن هو فعلًا حبك بعد الجواز.
أطرقت غزل برأسها للحظة، ثم رفعت عينيها إليها. – وأنا أعيش باقي عمري أسأل نفسي كل يوم… هو حبني فعلًا؟ ولا لو الزمن رجع بيه، كان هيختار نفس الاختيار؟ لم تجد نور إجابة. فأكملت غزل بصوت أكثر هدوءًا: – الشك يا ندى… أصعب من الحقيقة. حتى لو الحقيقة كانت موجعة. سكتت نور للحظات، ثم مدت يدها وربتت على كف شقيقتها. – أنا مش ضدك… والله. ابتسمت غزل في امتنان. – وأنا عارفة. – بس نفسي تدي لنفسك فرصة… وتديله فرصة هو كمان.
ظلت غزل تنظر إلى فنجان القهوة أمامها، ثم قالت بعد صمتٍ قصير: – يمكن المشكلة إن الفرصة اللي بتتكلمي عنها… هو كان المفروض ياخدها قبل ما يتجوزني، مش بعدها. ساد الصمت بينهما من جديد. لكن هذه المرة…لم يكن صمت خلاف… بل صمت امرأتين، كل واحدة منهما ترى الحقيقة من زاوية مختلفة، وكلتاهما تتمنى أن تكون الأخرى على صواب. دخلت غزل قاعة الاحتفال برفقة والدها فؤاد، بعدما توقف السائق أمام الفندق الذي ازدانت واجهته بالأضواء، واصطف عند مدخله عدد من كبار رجال الأعمال والإعلاميين.
كانت ترتدي بدلة نسائية أنيقة باللون العاجي، صُممت بخطوط بسيطة راقية، ينسدل فوقها بليزر بنفس اللون، بينما التفَّت طرحتها بطريقة عصرية أبرزت ملامحها الهادئة، دون أن تنتقص من وقارها. أما فؤاد، فما إن دخل القاعة حتى بدأت التحيات تنهال عليه من كل اتجاه. صافح هذا، وتبادل الحديث مع ذاك، بينما كانت غزل تسير إلى جواره بابتسامتها الهادئة، ترد التحية على من يعرفها. ولم تمضِ سوى دقائق… حتى لمحها كريم الدمنهوري من بعيد. ابتسم على الفور، ثم استأذن ممن كان يتحدث معهم، واتجه إليها بخطوات واثقة.
توقف أمامها، ثم مد يده مصافحًا. نورتِ الحفل يا أستاذة غزل. ابتسمت وهي تصافحه. ألف مبروك يا أستاذ كريم… المشروع طلع أكثر من رائع. قال مبتسمًا: النجاح ده ليكم فيه نصيب كبير. هزت رأسها نافية.إحنا عملنا شغلنا بس. ابتسم وهو ينظر إليها نظرة تقدير. وده بالضبط سبب نجاحكم… إنكم كل مرة تعتبروا النجاح بداية، مش نهاية. التفت إلى فؤاد وصافحه بحرارة. نورتنا يا باشمهندس. بادله فؤاد الابتسامة. مبروك يا كريم… واضح إن المشروع هيكسر الدنيا.
ضحك كريم.بدعمكم إن شاء الله. ثم عاد بنظره إلى غزل. بالمناسبة… من ساعة ما خلصنا الحملة، وأنا بسمع إشادات كتير جدًا بيها ابتسمت في امتنان. – الحمد لله. وده خلاني أقتنع إن قرار التعاقد مع شركتكم كان من أنجح القرارات اللي أخدتها السنة دي. خفضت غزل رأسها قليلًا، وقد بدا عليها شيء من الخجل. ـ شهادة كبيرة أعتز بيها. ابتسم كريم، ثم قال بمزاح خفيف: بس أوعي الغرور يدخل قلبك. ضحكت لأول مرة. أوعد حضرتك… لسه بدري على الغرور.
فضحك هو الآخر. ابتسم فؤاد وهو ينظر إلى كريم، ثم قال بعد أن لمح عددًا من المستثمرين يلوحون له من الطرف الآخر للقاعة: – استأذنكم دقيقة… واضح إن في ناس مستنياني. ابتسم كريم باحترام. – اتفضل يا باشمهندس. ربت فؤاد على كتف ابنته قبل أن يغادر. – خليكي هنا… هاجيلك. تابعته غزل بعينيها حتى ابتعد، قبل أن تعود بنظرها إلى كريم. ساد بينهما صمت قصير، قطعه كريم وهو يبتسم ابتسامة هادئة. – تعرفي… أنا كنت مستني اللحظة دي من أول ما دخلتي.
عقدت حاجبيها باستغراب. – مستني تقولّي إيه؟ – إني أشكرِك بعيد عن المجاملات الرسمية. ابتسمت بخفة. – حضرتك شكرتني أكتر من مرة. هز رأسه نافيًا. – لا… اللي فات كان قدام الناس. لكن أنا بتكلم بجد. نظر إليها للحظة، ثم قال بصدق: – في الأول، لما المهندس فؤاد رشح شركتكم، وافقت لأن اسمه بالنسبة لينا كلنا ثقة كبيرة… وده شيء طبيعي. أومأت غزل في هدوء. – وأنا كنت عارفة إن اسم بابا هو اللي فتحلي أول باب وبسببه اخدت فرص عمرى ما كنت هاخدها من غيره
ابتسم كريم. – ودي مش حاجة تعيبك. ثم أردف بنبرة جادة: – أي حد في مكانك كان هيستفيد من اسم والده لو كان عنده اسم بحجم المهندس فؤاد. سكت لحظة، ثم أكمل: – لكن اللي حصل بعد كده… مالوش أي علاقة باسمه. نظرت إليه باهتمام. – بعد أول اجتماع، اكتشفت إنك داخلة كل تفصيلة في المشروع، وعارفة السوق، وبتسمعي أكتر ما بتتكلمي… ودي ميزة نادرة. ابتسمت في تواضع. – لسه بتعلم. ابتسم هو الآخر. – ودي ميزة تانية.
ضحكت بخفة. – هو حضرتك ناوي تفضل تعدد مميزاتي طول السهرة؟ ضحك كريم لأول مرة بصوت مسموع. – لا… بس أنا من الناس اللي بتحب تقول كلمة الحق. ثم أضاف وهو ينظر إليها باحترام واضح: – واسمحيلي أقولك حاجة… رفعت عينيها إليه. – اتفضل. – أنا عايز أشكر المهندس فؤاد… لأنه عرف السوق على موهبة زيك. اتسعت ابتسامتها في خجل، وأخفضت رأسها قليلًا. – دي شهادة كبيرة أوي. – دي الحقيقة. ثم أشار بيده ناحية فؤاد الذي كان يتحدث مع مجموعة من المستثمرين.
– والدك فتحلك أول باب… لكن إنتِ اللي عرفتي تخلي كل الأبواب بعد كده تتفتح لوحدها. رفعت غزل رأسها، وقالت بابتسامة امتنان: – أتمنى أفضل عند حسن ظن كل الناس اللي وثقت فيا. نظر إليها كريم لثوانٍ، ثم ابتسم وهو يهز رأسه بإعجاب. – وأنا متأكد إن ده اللي هيحصل. وفي تلك اللحظة… انفتح باب القاعة الرئيسية. ودخل مختار الشيخ، وبينما كان يبادل بعض الحضور التحية، استقرت عيناه، دون قصد، على غزل… كانت تقف تضحك بهدوء مع كريم الدمنهوري، بينما كان الأخير ينظر إليها باهتمامٍ واضح، وكأن حديث من حوله لم يعد يعنيه.
فتوقفت خطوات مختار… دون أن يشعر. #الكاتبه_امانى_سيد #ثمن_العروس يتبع
