
ابتسمت ابتسامة خفيفة وهي تجيب: – الحمد لله، بخير. حضرتك أخبارك إيه؟ – الحمد لله. الحقيقة أنا بكلم حضرتك بخصوص افتتاح المرحلة الجديدة من مشروع الساحل. اعتدلت في جلستها باهتمام. – اتفضل يا فندم. – الافتتاح بعد يومين، وهيكون فيه عدد كبير من رجال الأعمال والمستثمرين والإعلاميين. وحقيقي كنت حابب حضرتك تكوني موجودة. ساد صمت قصير، قبل أن يضيف: – الحملة اللي نفذتها شركة غزل ميديا كانت سبب من اسباب النجاح فى بيع الوحدات من المشروع الاول . ومن وجهة نظري، النجاح ده لازم أصحابه يكونوا موجودين في يوم الافتتاح.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة امتنان. – دي شهادة أعتز بيها جدًا… وشكرًا على ثقة حضرتك. ابتسم كريم وهو يقول: – دي مش مجاملة يا أستاذة غزل… دي الحقيقة. وبالمناسبة، هيكون موجود عدد كبير من المستثمرين، ودي فرصة كويسة إنهم يتعرفوا على شغل شركتكم عن قرب. أجابته بثقة: – يشرفني الحضور. – ممتاز… هبعت لحضرتك الدعوة الإلكترونية ومواعيد الفعاليات. – في انتظارها. أنهى المكالمة، بينما ظلت غزل تنظر إلى شاشة الهاتف لثوانٍ، قبل أن تعود إلى عملها.
وفي المساء… وصلت الدعوة الرسمية إلى بريد شركة غزل ميديا، تحمل شعار شركة الدمنهوري للتطوير العقاري، وجدول فعاليات يوم الافتتاح، وأسماء أبرز الحضور. ألقت غزل نظرة سريعة على القائمة. وزراء…مستثمرون…ورؤساء مجالس إدارات كبرى شركات التطوير العقاري. توقفت عيناها عند أحد الأسماء. المهندس مختار الشيخ… رئيس مجلس إدارة شركة الشيخ للتطوير والاستثمار العقاري. ساد الصمت داخل المكتب. أعادت قراءة الاسم مرة أخرى، وكأنها تتأكد أنه لم يخيل إليها. كانت تعلم أن وجوده أمر طبيعي… فهو واحد من أبرز رجال الأعمال في السوق.
لكنها لم تتوقع أن يجمعهما مكان واحد بهذه السرعة. أغلقت البريد الإلكتروني بهدوء، ثم رفعت رأسها إلى مساعدتها التي كانت تنتظر تعليماتها. – بكرة عايزة آخر نسخة من البروفايل الخاص بالشركة تبقى جاهزة. سألتها المساعدة باستغراب: – في مستثمرين جداد؟ ابتسمت غزل ابتسامة هادئة، وقالت بثقة: – فيه فرصة… ولازم نكون مستعدين لها كويس. لم تكن تفكر في مختار… بل كانت تفكر في شيء واحد فقط… أن تخرج من ذلك اليوم باسمٍ أكبر لشركتها، مهما كانت المفاجآت التي تنتظرها.
في مساء اليوم نفسه، وبعد أن انتهت غزل من مراجعة جدول أعمالها، أغلقت الحاسب المحمول وأسندت ظهرها إلى المقعد، ثم التقطت هاتفها وضغطت على اسم شقيقتها. لم تنتظر كثيرًا حتى جاءها صوتها المرح. – أيوه يا غزل… خير؟ ابتسمت غزل ابتسامة خفيفة. – فاضية بكرة بعد الضهر؟ – على حسب… ليه؟ – عايزاكي تيجي معايا المول. ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تقول شقيقتها بدهشة: – المول؟! إنتِ؟ ضحكت غزل بخفة. – أيوه أنا… مستغربة كده ليه؟
– أصلك آخر واحدة ممكن تقول يلا نروح نشتري هدوم. هزت غزل رأسها مبتسمة، وكأنها تراها أمامها. – الظاهر إن الناس واخدة عني فكرة قديمة. قالت شقيقتها بمزاح: – ما هو دي الحقيقة… إنتِ طول عمرك لو معاكي فلوس تشتري كتاب ولا كورس، ولا تشتري بلوزة جديدة يا غزل انا وماما ياما كلمناكى من وانتى طفله إنك تغيرى من نفسك لكن انتى بترفضى حابه شكلك كده وحابسه نفسه وتقولى انا وحشه وراضيه بنفسى كده مهما نحاول نفهك مافيش فايده
ابتسمت غزل وهي تتطلع من نافذة مكتبها. – يمكن… بس الفترة دي بقيت مقتنعة إن الشكل جزء من الشغل. – يعني أخيرًا اقتنعتي؟ – اقتنعت إن أول انطباع بيفرق… خصوصًا في شغلي. أنا بقابل مستثمرين ورجال أعمال كل يوم، ومينفعش أفضل بنفس الطريقة اللي كنت عايشة بيها زمان واقتنعت إن طالما عندى فرصه للتغير يبقى ليه لأ جاءها صوت شقيقتها يحمل حماسًا واضحًا. – ده أنا مستنياكي من زمان تقولي الكلام ده. ضحكت غزل. – يبقى اتفقنا؟
– اتفقنا طبعًا… هنلف المول كله. قالت غزل بسرعة وهي تضحك: – لا، بالله عليكي بلاش “هنلف المول كله”. أنا داخلة أجيب كام طقم مناسبين للشغل وخلاص. – سيبيها عليا… أنا هختارلك. رفعت غزل حاجبها وقالت في اعتراض مصطنع: – وده اللي مقلقني انا كلمتك عشان عارفه انك بتتعاملى محلات حلوه وده باين من لبسك بس مش معناه إن كل حاجه بتلبسيها بتعجبنى قهقهت شقيقتها. – متخافيش… مش هلبسك فستان سواريه. بس هخليكي تشوفي نفسك بشكل عمرك ما شفتيه قبل كده.
ابتسمت غزل وهي تشعر بشيء من الحماس يتسلل إليها. – خلاص… بكرة الساعة خمسة أعدي عليكي. – لا… أنا اللي هاجي الشركة عندك، ومنها نروح سوا. – تمام… مستنياكي. أنهت المكالمة، ثم وضعت الهاتف فوق المكتب، وأطلقت زفرة طويلة. لم تكن تنوي تغيير شخصيتها… ولا كانت تسعى لأن تصبح نسخة من أحد. كل ما أرادته…أن تعكس هيئتها المرأة التي أصبحتها بالفعل.امرأة صنعت لنفسها اسمًا، وبدأت تشق طريقها بثبات، ولم يعد يليق بها أن تختبئ خلف بساطة لم تكن يومًا تعبر عن ضعف، لكنها كانت تخفي كثيرًا من ثقتها بنفسها.
ابتسمت لنفسها وهي تغلق أنوار المكتب، ثم غادرت، وقد عقدت العزم على أن يكون ظهورها في افتتاح مشروع كريم الدمنهوري مختلفًا…لا لتلفت الأنظار… بل لأنها، لأول مرة، أرادت أن تمنح نفسها الاهتمام الذي كانت تمنحه دائمًا لكل شيء… إلا نفسها. عادت غزل إلى منزلها مع اقتراب المساء، بعدما أنهت يومًا طويلًا من الاجتماعات ومراجعة خطط العمل. ما إن دخلت غرفتها، حتى خلعت حذاءها في إرهاق، وألقت حقيبتها فوق الأريكة القريبة، قبل أن تتجه إلى النافذة وتزيح الستائر قليلًا.
ومع إشراقة صباح اليوم التالي… أنهت غزل استعدادها على عجل، وارتدت ملابس بسيطة كعادتها، ثم غادرت منزلها متجهة إلى الموعد الذي اتفقت عليه مع شقيقتها. بعد نحو ساعة، كانت تقف أمام المدخل الرئيسي لأحد المراكز التجارية الكبرى، وما إن وقعت عيناها على شقيقتها حتى لوحت لها الأخيرة بيدها وهي تبتسم. اقتربت غزل، فتأملتها شقيقتها من أعلى إلى أسفل، ثم هزت رأسها ضاحكة. – إن شاء الله دي آخر مرة أشوفك باللبس ده. ابتسمت غزل وهي تعانقها.
– بدأنا؟ – لسه هنبدأ… ويومك طويل معايا. تشابكت ذراعاهما، ودخلتا إلى المول. لم تتجه شقيقتها إلى المتاجر التي اعتادت غزل الشراء منها، بل قادتها إلى علامات تجارية أكثر رقيًا، تعرض أزياء تناسب سيدات الأعمال والاجتماعات الرسمية. توقفت غزل أمام إحدى الواجهات الزجاجية، تتأمل البدل النسائية الأنيقة المعروضة خلف الزجاج. لم تكن تلك القطع تشبه ما اعتادت ارتداءه… بل كانت تعكس حضورًا مختلفًا… حضور امرأة تعرف قيمتها.ابتسمت شقيقتها وهي تراقب نظراتها. – داخلة؟ أومأت غزل في هدوء.
داخل المتجر، بدأت البائعة تعرض عليها أحدث المجموعات.بدلات رسمية بقصات عصرية… بليزرات أنيقة بألوان الكحلي، والبيج، والأسود، والأوف وايت… قمصان حريرية، وحقائب جلدية راقية، وأحذية صُممت لتناسب ساعات العمل الطويلة. كانت غزل تجرّب قطعة تلو الأخرى أمام المرآة. وفي كل مرة، كانت ترى انعكاسًا مختلفًا لنفسها. لم تعد تلك الفتاة التي كانت تختبئ خلف الملابس الهادئة الواسعة، وكأنها تخشى أن يلتفت إليها أحد. بل امرأة فرضت وجودها بعملها، وأصبح من حقها أن يعكس مظهرها المكانة التي وصلت إليها.
قالت شقيقتها وهي تشير إلى إحدى البدل ذات اللون الزيتي الداكن: – دي… معمولة علشانك. خرجت غزل بها من غرفة القياس.تأملتها شقيقتها بإعجاب، ثم ابتسمت ابتسامة واسعة. – أهو ده اللي كنت نفسي أشوفه. نظرت غزل إلى المرآة طويلًا. كانت قصة البليزر تمنحها حضورًا قويًا، بينما أضفت الألوان الهادئة لمسة من الرقي. ابتسمت دون أن تشعر. – دي هخدها. لم تتوقف عند بدلة واحدة… بل اختارت عدة بدلات رسمية، وبليزرات متنوعة، وقمصانًا أنيقة تناسب الاجتماعات، ثم انتقلتا إلى متجر آخر، حيث اختارت عددًا من الفساتين.
لكنها لم تعد تلك الفساتين البسيطة التي كانت تشتريها قديمًا. بل تصميمات راقية، بأقمشة فاخرة وقصات أنيقة، تناسب حفلات الافتتاح، والمؤتمرات، والعشاءات الرسمية. ولم تكن تنظر إلى الأسعار…بل كانت تسأل عن جودة الخامة، وطريقة التفصيل، وما إذا كانت القطعة مناسبة لبيئة الأعمال. راقبتها شقيقتها في صمت، ثم ابتسمت وهي تقول: – تعرفي إيه أكتر حاجة فرحاني؟ التفتت إليها غزل. – إيه؟ – إنك أخيرًا بقيتي شايفة نفسك زي ما الناس شايفاكي. ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن تجيب غزل بابتسامة هادئة.
– يمكن… علشان أنا نفسي بقيت شايفة نفسي لأول مرة.مش بس بقيت شايفه العيوب وانى وحشه لا بقيت شايفه انى ناجحه وإن اقدر اجمل العيوب واداريها وبعد جولة طويلة بين المتاجر، اتفقت الشقيقتان على أخذ قسطٍ من الراحة. اختارتا أحد المقاهي المطلة على الساحة الرئيسية للمول، وجلسـتا إلى طاولة هادئة بجوار الواجهة الزجاجية، بينما أخذ النادل طلبهما ثم انصرف. وضعت شقيقتها أكياس التسوق إلى جوار المقعد، ثم نظرت إلى غزل وهي تبتسم. – بصراحة… النهارده من أحلى الأيام.
رفعت غزل فنجان القهوة إلى شفتيها. – علشان الشوبنج بتعشقى انتى اللف فى المولات انا مش عارفه هروح ازاى رجلى مش قادره ادوس عليها؟ هزت رأسها. – لأ… علشان أول مرة أحس إنك بتدي لنفسك القيمة اللي تستحقها. ابتسمت غزل ابتسامة هادئة، ثم قالت: – يمكن اتأخرت شوية. – المهم إنك وصلتي. ساد بينهما صمت قصير، قطعه صوت الموسيقى الهادئة المنبعثة داخل المقهى. كانت شقيقتها تنظر إليها بين الحين والآخر، وكأنها تخوض صراعًا بين أن تلتزم الصمت أو تفتح الموضوع الذي يشغلها.