منوعات

يوسف لمشيرة محمد

​شروط لا تقبل التفاوض ​شريف قام من على الأرض، مسح وشه بإيديه اللي كانت لسه بتترعش، وبص لي بنظرة انكسار تام. “هناخده أحسن مستشفى دلوقتي يا منى. أنا هجيب أكبر دكاترة في البلد… أنا هعمل…” ​”أنت مش هتعمل أي حاجة،” قاطعته بحسم، ووقفت قدامه زي السد. “يوسف مش هيتحرك من هنا إلا على شروطي. العيلة اللي خدت مني ابني بالفلوس والنفوذ، مش هترجع تاخده مني تاني عشان تداري على فضيحتها.” ​”شروط إيه؟” سألني بصوت مكسور. “أنا مستعد لأي حاجة.”

​بصيت له في عينيه وقولت بوضوح، كأني بقرأ حكم محكمة: ​أولاً: الحضانة الكاملة. يوسف هيفضل معايا، ومش هيرجع القصر بتاعكم ده تاني لو على ج*ثتي. ​ثانياً: البلاغ الرسمي. التقرير الطبي اللي أنا كتبته، والصور اللي صورتها، هيتقدموا للنيابة الليلة دي. اللي عمل في ابني كده هيدفع التمن بالقانون. ​ثالثاً: الشهادة. أنت هتقف قدام النيابة وتشهد باللي شفته هنا، وهتعترف بمدى الإهمال اللي ابنك اتعرض له في بيتك. مش هتجيب محامين العيلة عشان يطلعوا مراتك وأمك منها زي الشعرة من العجين.

​شريف سكت ثواني، بص ليوسف اللي كان نايم وبيأن من الوجع في نومه، وبعدين هز راسه وقال: “موافق. أقسم بالله العظيم موافق على كل حرف. أنا اللي هبلغ الشرطة بنفسي يا منى. أنا اللي هحبسهم.” ​ليلة الحساب ​الساعة كانت عدت نص الليل لما الإسعاف وصلت. ركبت مع يوسف في العربية، ومسكت إيده اللي كانت باردة جداً. طول الطريق كان بيفتح نص عينة ويبص لي، كأنه بيطمن إني لسه موجودة وما اختفيتش. ​”إحنا رايحين فين؟” سألني بصوت تعبان.

“رايحين مستشفى حلوة ونظيفة، الدكاترة هناك هيصلحوا رجلك عشان ترجع تجري وتلعب،” رديت عليه وأنا ببتسم رغم الدموع اللي في عيني. “وأنتي… هتيجي معايا؟ مش هتمشي؟” ضغطت على إيده وبـ,ـوستها: “أنا مش هسيبك يوم واحد في عمري اللي جاي يا يوسف. أنا هنا عشانك.” ​في المستشفى، شريف نفذ وعده. التقرير الطبي اللي عملته كان هو الدليل القاطع. طبيب شرعي جه المستشفى وشاف يوسف، وأكد كل كلمة كتبتها. الآثار دي مش مجرد حادثة، دي ج*ريمة تعذيب ممنهجة لطفل ملوش حول ولا قوة.

​في نفس الليلة، قوة من الشرطة راحت قصر عيلة حلمي. القبض على “دولت هانم” (والدة شريف) و”ريهام” (زوجته الجديدة) كان صدمة للبلد كلها. الصحافة اللي كانت بتصورهم في الحفلات الخيرية، بقت بتكتب عن الفضيحة. ​في قسم الشرطة، دولت هانم كانت بتزعق وتهدد بنفوذها، وريهام كانت بتعيط وتمثل الانهيار، مستنيين شريف يتدخل بمحامينه ويخرجهم كالعادة. بس شريف دخل عليهم القسم، وقف قدامهم بوش خالي من أي تعاطف، وقال كلمتين بس: “أنتم مجرمين… ويوسف حقه هيرجع منكم بالقانون.”

​رحلة التعافي الطويلة ​مرت شهور على الليلة دي. شهور مكنتش سهلة أبداً. يوسف عمل عمليتين في رجله عشان العضم يتعدل ويرجع يلحم بشكل طبيعي. الألم الجسدي كان صعب، بس الألم النفسي كان أصعب بكتير. ​أول كام أسبوع في شقتي الصغيرة، يوسف كان بيخاف ينام على السرير، وكان بيفضل ينام على الأرض جنب الباب. كان بيخبي الأكل في جيوبه عشان خايف يجوع تاني. كان بيعتذر لو كح، أو لو كوباية مية اتهزت في إيده.

​كنت بصحى كل ليلة على صوته وهو بيعيط في الكوابيس، أروح أخده في حضني، وأفضل أطبطب عليه وأقرأ له قرآن لحد ما يهدى. كنت دايماً بفهمه إن البيت ده بتاعه، وإن الأكل عمره ما هيخلص، وإن مفيش إنسان على وجه الأرض يقدر يمد إيده عليه تاني.

​شريف كان بييجي يزوره كل أسبوع. في الأول، يوسف كان بيخاف منه وبيستخبى ورا ضهري. بس مع الوقت، ولما شاف إن شريف بيبكي وبيتأسف له في كل مرة، ولما عرف إن ريهام ودولت أخدوا أحكام بالسجن، بدأ يوسف يفك شوية. شريف ما حاولش يفرض نفسه عليه كأب، كان راضي بأنه يكون مجرد “ضيف” بيجيب لعب وحلويات، وبيحاول يكفر عن ذنب السنين اللي فاتت.:#روايات_مشيره_محمد

​أما أنا، فقفلت العيادة القديمة، وشريف صمم يجهز لي مركز طبي متكامل في منطقة راقية كجزء من تعويضه لينا، بس أنا رفضت. قلت له: “العيادة اللي ابني جالي فيها وهو مكسور، هي العيادة اللي هفضل أعالج فيها الغلابة اللي شبهه.” شريف احترم رغبتي، واكتفى بأنه يتكفل بكل مصاريف الحالات غير القادرة اللي بتيجي العيادة. ​شروق شمس جديدة ​يوم الثلاثاء، بعد ست شهور بالتمام والكمال من ليلة العاصفة والمطر. كنت في المطبخ بجهز الغدا، وريحة المكرونة بالبشاميل اللي يوسف بيحبها مالية البيت.

​سمعت صوت خطواته بره. الجبس كان اتفك من شهرين، وبقى بيمشي كويس جداً، مجرد عرجة خفيفة أوي الدكاترة قالوا إنها هتروح مع العلاج الطبيعي. ​دخل المطبخ، وبص لي بابتسامة واسعة ما كنتش بشوفها في الأول. وشه بقى مليان، وعينيه العسلي بقت بتلمع بالحياة والأمان. كان لابس تيشرت جديد، وشعره متسرح، وماسك في إيده كراسة الرسم بتاعته. ​”دكتورة منى…” قالها وهو بيضحك ومخبي الكراسة ورا ضهره. لفيت له وأنا بمسح إيدي في الفوطة: “خير يا أستاذ يوسف؟ مخبي إيه وراك؟”

​طلع الكراسة وفتحها على صفحة رسم فيها بيت صغير، وشمس بتضحك، وست ماسكة إيد طفل صغير. الرسمة كانت بسيطة، بس بالنسبة لي كانت أعظم لوحة في العالم. ​”دي ليكي،” قالها وهو بيمد إيده بالكراسة. ​نزلت على ركبي عشان أكون في نفس مستوى نظره، وخدت الكراسة وأنا حاسة إن قلبي هيطير من الفرحة. “دي حلوة أوي يا حبيبي.. تسلم إيدك.” ​يوسف قرب مني، ولف إيديه الصغيرين حوالين رقبتي، وحط راسه على كتفي. وفي اللحظة دي، سمعت الكلمة اللي كنت مستنياها من خمس سنين. الكلمة اللي اتسـ,ـرقت مني، واللي ابني دفع تمنها دمه ودموعه عشان يرجع يقولها تاني.

​همس في ودني بصوت دافي ومطمن: ​”أنا بحبك أوي… يا ماما.” ​غمضت عيني، ودموعي نزلت على خده، بس المرة دي مكنتش دموع وجـ,ـع ولا قـ,ـهر.. كانت دموع أم أخيراً لقت روحها اللي كانت تايهة. حضـ,ـنته بكل قوتي، وعرفت إن العاصفة أخيراً خلصت، وإن اللي جاي كله شمس ودفا وأمان. تمت.. :#روايات_مشيره_محمد

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى